عبدالله
18-02-2003, 02:16
أعترف زوجي ليس هو ظالمي الأول لفقد سبقه أبي بسنوات طويلة هي سنوات عمري الثلاثون.
لم يكن اكتشافي المذهل لحقيقة مرضي هو الذي حطمني ولكن الذي سحقني هو تخلي زوجي عني وتنكره لكل سنوات السعادة التي ارتشفنا رحيقها سوياً.
كان أبي متزمتاً إلى درجة الاختناق..متديناً إلى حد المغالاة.. قاسياً..جافاً كعود الحطب..
أخرجني من مدرستي في الرابعة عشرة من عمري ليحبسني في البيت مع بقية اخواتي اللاتي تزوجن واحدة بعد الأخرى.. لأبقى أنا كرماد خلفته النيران.. لا روح.. لاحياة.. لا إحساس.. أتتبع أخبار صديقاتي عن بعد.. الجميع اجتزن الثانوية العامة بنجاح.. إحداهن دخلت كلية الطب.. وأخرى تستعد للدراسة في أمريكا.. وأخرى انخرطت في أحد المعاهد.. وبقيت أنا.. أندب حظي وأغرق بتعاستي وتضيق بي الدنيا بأسرها..
أصبحت أكره أبي.. أمقته.. رغماً عني.. أحتقره فقد شعرت بأنه يحرمني حقاً من حقوقي.. ويسلب عمري.. ويهدر سعادتي.. إنه لا يستحق أن يكون أبي.. وفي لجة حرماني وعذابي همست لي ابنة عمي بأن شقيق صديقتها يحبني وبأنني جميلة.
انزاحت آثار التعاسة من مخيلتي لتحل محلها سعادة كبرى.. بصيص من نور أضاء لي أيام حياتي.. هناك شخص يحبني.. ما معنى هذا؟
معناه أنني مرغوبة ومحبوبة.. وأن أبي الذي دفن جسدي في قبر من أربعة جدران لم يستطع أن يدفن قلبي وأن ينتزعه من بين ضلوعي.. معناه أنني حرة رغم شجني.. سيدة نفسي رغم عبوديتي.. أستطيع أن أحب وأن أكره وأن أحتقر من أشاء ودون حساب من أحد..
اختلست نظرة إلى المرآة.. هالني جمالي الذي أراه لأول مرة.. ابتسمت لابنة عمي بسعادة وأنا أقول لها بدلال:
- ولكنه لايعرفني..
ازداد بريق عيناها وهي تهمس لي:
- أنت مخطئة.. إنه يعرفك.. بل ويعرفك جيداً ويراقبك دائماً في ذهابك وإيابك.. طفح البشر على وجهي.. وثملت بإحساس طاغ أدار رأسي وأتاح لها الفرصة بأن تدخل لي من أوسع الأبواب وأيسرها.. أحببته؟ لا أدري ولكنني منذ سمعت صوته العميق لأول مرة حتى دق قلبي بقوة وتملكني شعور جارف بالسعادة.. لم أعرف الكثير عنه ولكنه فاجأني بقوله:
- أعرف كل شيء عنك.. كل تفاصيل حياتك.. ماذا تأكلين.. وماذا تشربين.. وماذا تحبين.. وماذا تكرهين.. حتى الشامة السوداء في خدك الأيسر أحبها كحبي لك.
ذهلت.. فهو لم يرني قط.. ولم أكن بحاجة إلى ذكاء لأعرف أن ابنة عمي حكت له عن كل شيء يخصني.. ولكن أنا.. أنا لا أعرف عنه شيئاً البتة سوى اسمه وصورته وبضع شذرات من تفاصيل يومه أسمعها منه..
ومع مرور الأيام ازداد حبي له لدرجة الجنون.. حتى أضحى هو عالمي الذي أعيش فيه.. وهوائي الذي أتنفس منه.. ودمائي التي تجري في عروقي.. أحببته كما لم أحب بشراً في حياتي.. بصوته العميق الواثق.. وشخصيته المميزة وثقافته الواسعة.. كان مرفئي الذي أتخلص فيه من متاعب الحياة وظلم الأب.. وقسوة الإخوة.. حتى نسيت الظلم والتجاهل والقسوة.. أعطاني الحب دفقة حياة نسيت معها كل شيء.. وغفرت لمن ظلموني وحرموني من أبسط حقوقي.. كانت المفاجأة على لسانه هو.. حبيبي هشام.
قال لي بصوت بارد:
- عفاف.. أنا أعمى..
أعمى.. ما معنى هذا.. هل هو حقاً فاقد البصر.. أم يهزل معي.. سنة كاملة من الحب والعطاء والتواصل وأخيراً في النهاية يصارحني بأنه أعمى.. كيف أتقبل هذه الحقيقة منه.. بل كيف أستوعبها..
صرخت فيه..
- هشام.. انك تهزل بلا شك..
بصوت حزين أجابني:
- بل هي الحقيقة التي أخفيتها عنك شهور طويلة.. خفت أن أخسرك.. فلقد أحببتك حباً صادقاً وقوياً.. كنت أنانياً لدرجة أنني صممت على الاحتفاظ بك مهما يكن من أمر.. حتى لو خدعتك.. افعلي ما تشائين حتى لو أردتِ هجري لأنني أعمى.. ولكن تأكدي من شيء واحد هو أنني أحببتك لدرجة الموت.. أتفهمين؟
أغلقت سماعة الهاتف بهدوء دون أن أرد عليه.. والدنيا تدور بي.. وذكرياتي معه تقتحم وحدتي.. كيف لم أعرف؟ لماذا لم أفهم؟.. لقد كان دوماً يردد أمامي بأن أخيه هو الذي يقرأ له.. أخيه هو الذي يوصله بالسيارة.. أخيه هو الذي يجلب له الكتب والحاجيات.. لماذا لم أفهم.. هل أعجزني غبائي عن الفهم.. أم كنت ساذجة لدرجة البلاهة؟
كيف خدعني طوال تلك الأشهر؟!
لم يكن اكتشافي المذهل لحقيقة مرضي هو الذي حطمني ولكن الذي سحقني هو تخلي زوجي عني وتنكره لكل سنوات السعادة التي ارتشفنا رحيقها سوياً.
كان أبي متزمتاً إلى درجة الاختناق..متديناً إلى حد المغالاة.. قاسياً..جافاً كعود الحطب..
أخرجني من مدرستي في الرابعة عشرة من عمري ليحبسني في البيت مع بقية اخواتي اللاتي تزوجن واحدة بعد الأخرى.. لأبقى أنا كرماد خلفته النيران.. لا روح.. لاحياة.. لا إحساس.. أتتبع أخبار صديقاتي عن بعد.. الجميع اجتزن الثانوية العامة بنجاح.. إحداهن دخلت كلية الطب.. وأخرى تستعد للدراسة في أمريكا.. وأخرى انخرطت في أحد المعاهد.. وبقيت أنا.. أندب حظي وأغرق بتعاستي وتضيق بي الدنيا بأسرها..
أصبحت أكره أبي.. أمقته.. رغماً عني.. أحتقره فقد شعرت بأنه يحرمني حقاً من حقوقي.. ويسلب عمري.. ويهدر سعادتي.. إنه لا يستحق أن يكون أبي.. وفي لجة حرماني وعذابي همست لي ابنة عمي بأن شقيق صديقتها يحبني وبأنني جميلة.
انزاحت آثار التعاسة من مخيلتي لتحل محلها سعادة كبرى.. بصيص من نور أضاء لي أيام حياتي.. هناك شخص يحبني.. ما معنى هذا؟
معناه أنني مرغوبة ومحبوبة.. وأن أبي الذي دفن جسدي في قبر من أربعة جدران لم يستطع أن يدفن قلبي وأن ينتزعه من بين ضلوعي.. معناه أنني حرة رغم شجني.. سيدة نفسي رغم عبوديتي.. أستطيع أن أحب وأن أكره وأن أحتقر من أشاء ودون حساب من أحد..
اختلست نظرة إلى المرآة.. هالني جمالي الذي أراه لأول مرة.. ابتسمت لابنة عمي بسعادة وأنا أقول لها بدلال:
- ولكنه لايعرفني..
ازداد بريق عيناها وهي تهمس لي:
- أنت مخطئة.. إنه يعرفك.. بل ويعرفك جيداً ويراقبك دائماً في ذهابك وإيابك.. طفح البشر على وجهي.. وثملت بإحساس طاغ أدار رأسي وأتاح لها الفرصة بأن تدخل لي من أوسع الأبواب وأيسرها.. أحببته؟ لا أدري ولكنني منذ سمعت صوته العميق لأول مرة حتى دق قلبي بقوة وتملكني شعور جارف بالسعادة.. لم أعرف الكثير عنه ولكنه فاجأني بقوله:
- أعرف كل شيء عنك.. كل تفاصيل حياتك.. ماذا تأكلين.. وماذا تشربين.. وماذا تحبين.. وماذا تكرهين.. حتى الشامة السوداء في خدك الأيسر أحبها كحبي لك.
ذهلت.. فهو لم يرني قط.. ولم أكن بحاجة إلى ذكاء لأعرف أن ابنة عمي حكت له عن كل شيء يخصني.. ولكن أنا.. أنا لا أعرف عنه شيئاً البتة سوى اسمه وصورته وبضع شذرات من تفاصيل يومه أسمعها منه..
ومع مرور الأيام ازداد حبي له لدرجة الجنون.. حتى أضحى هو عالمي الذي أعيش فيه.. وهوائي الذي أتنفس منه.. ودمائي التي تجري في عروقي.. أحببته كما لم أحب بشراً في حياتي.. بصوته العميق الواثق.. وشخصيته المميزة وثقافته الواسعة.. كان مرفئي الذي أتخلص فيه من متاعب الحياة وظلم الأب.. وقسوة الإخوة.. حتى نسيت الظلم والتجاهل والقسوة.. أعطاني الحب دفقة حياة نسيت معها كل شيء.. وغفرت لمن ظلموني وحرموني من أبسط حقوقي.. كانت المفاجأة على لسانه هو.. حبيبي هشام.
قال لي بصوت بارد:
- عفاف.. أنا أعمى..
أعمى.. ما معنى هذا.. هل هو حقاً فاقد البصر.. أم يهزل معي.. سنة كاملة من الحب والعطاء والتواصل وأخيراً في النهاية يصارحني بأنه أعمى.. كيف أتقبل هذه الحقيقة منه.. بل كيف أستوعبها..
صرخت فيه..
- هشام.. انك تهزل بلا شك..
بصوت حزين أجابني:
- بل هي الحقيقة التي أخفيتها عنك شهور طويلة.. خفت أن أخسرك.. فلقد أحببتك حباً صادقاً وقوياً.. كنت أنانياً لدرجة أنني صممت على الاحتفاظ بك مهما يكن من أمر.. حتى لو خدعتك.. افعلي ما تشائين حتى لو أردتِ هجري لأنني أعمى.. ولكن تأكدي من شيء واحد هو أنني أحببتك لدرجة الموت.. أتفهمين؟
أغلقت سماعة الهاتف بهدوء دون أن أرد عليه.. والدنيا تدور بي.. وذكرياتي معه تقتحم وحدتي.. كيف لم أعرف؟ لماذا لم أفهم؟.. لقد كان دوماً يردد أمامي بأن أخيه هو الذي يقرأ له.. أخيه هو الذي يوصله بالسيارة.. أخيه هو الذي يجلب له الكتب والحاجيات.. لماذا لم أفهم.. هل أعجزني غبائي عن الفهم.. أم كنت ساذجة لدرجة البلاهة؟
كيف خدعني طوال تلك الأشهر؟!